بين انتعاش الصادرات وثبات الأجور.. هل استفاد عمّال الزراعة من "فرصة الحرب"؟

التاريخ: 08/07/2026

بين انتعاش الصادرات وثبات الأجور.. هل استفاد عمّال الزراعة من "فرصة الحرب"؟

الاربعاء, 08 تموز 2026  

 

بين انتعاش الصادرات وثبات الأجور.. هل استفاد عمّال الزراعة من

المرصد العمّالي الأردني - رزان المومني

فتحت الحرب الإقليمية (الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران) أبواب أسواق جديدة أمام الخضار والفواكه الأردنية، لترتفع الصادرات الزراعية إلى مستويات غير مسبوقة خلال النصف الأول من العام الحالي.
 

غير أن هذه الطفرة لم تنعكس على العمّال الذين يقفون في بداية سلسلة الإنتاج. ففي الحقول، بقيت الأجور على حالها، ولم تشهد ظروف العمل أي تحسن يذكر، فيما ذهبت المكاسب إلى حلقات أخرى في سلسلة القيمة، وفي مقدمتها التصدير والوساطة.
 

وبينما يتحدث خبراء عن مكاسب اقتصادية عززت مكانة القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني، يؤكد مزارعون وعاملون وممثلون للقطاع أن المستفيد الأكبر كان المصدرون، في حين بقيت أجور العمّال وظروف عملهم دون تغيير.
 

وأظهرت بيانات وزارة الزراعة ارتفاع الصادرات الزراعية الأردنية خلال النصف الأول من عام 2026 إلى 281 ألف طن، مقارنة مع 245 ألف طن خلال الفترة نفسها من عام 2025، بنسبة نمو بلغت 14 بالمئة. كما ارتفعت صادرات الخضار بنسبة 13.1 بالمئة، وصادرات الفواكه بنسبة 18 بالمئة.
 

وتعزو الوزارة هذا النمو إلى توسع الأسواق الخارجية، ودعم عمليات الشحن الجوي والبحري، وتحسن القدرة التنافسية للمنتج الزراعي الأردني، في وقت سجل فيه القطاع الزراعي أعلى معدل نمو اقتصادي بين مختلف القطاعات خلال الربع الأول من العام الحالي، بنسبة بلغت 6.8 بالمئة، مساهماً بصورة ملحوظة في نمو الاقتصاد الوطني.
 

وتشير بيانات وزارة العمل إلى ارتفاع عدد العمّال الزراعيين المشمولين بالضمان الاجتماعي إلى 18,761 عاملاً وعاملة حتى نهاية كانون الثاني 2025، مقارنة مع 5,988 عاملاً فقط في عام 2020، بعد تطبيق نظام عمّال الزراعة.
 

ورغم هذا التوسع في مظلة الحماية الاجتماعية، لا يزال القطاع يعتمد بدرجة كبيرة على العمالة الوافدة، فيما يؤكد عاملون ومزارعون أن تحسن مؤشرات التصدير لم ينعكس على مستويات الأجور أو ظروف العمل، لأن أسعار بيع المنتجات من المزارع تختلف عن أسعار التصدير، فضلاً عن استحواذ حلقات النقل والتسويق والتصدير على جزء كبير من العوائد.
 

العامل الزراعي عبدالله، الذي يعمل منذ سبع سنوات في إحدى مزارع الأغوار الجنوبية، يقول إنه لم يلحظ أي تحسن في دخله رغم ازدياد حركة العمل خلال الأشهر الماضية.
 

ويضيف، في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني"، أنه كان يسمع مع زملائه عن ارتفاع حجم التصدير وخروج الشاحنات يومياً، إلا أن أجره بقي ثابتاً عند دينار ونصف عن كل ساعة عمل.
 

ويشير إلى أنه اضطر في بعض الأيام إلى العمل لساعات أطول لتجهيز المحاصيل للتسويق، لكنه لم يحصل على أي زيادة في الأجر أو امتيازات إضافية.
 

ويؤكد أن العمّال ينظرون إلى ارتفاع الصادرات باعتباره خبراً جيداً للمزارعين والاقتصاد الوطني، "لكن بالنسبة إلينا لم يتغير شيء، فما زلنا نعمل بالأجر نفسه، ومن دون ضمان اجتماعي أو تأمين صحي".
 

وتتفق مع ذلك شهادة المزارع أحمد، الذي يمتلك مزرعة في الأغوار الشمالية ويشغّل عشرة عمّال، إذ يؤكد أن ارتفاع الصادرات لم ينعكس على دخله أو على أوضاع العاملين لديه.
 

ويقول إن الطلب على المنتجات الزراعية ارتفع بالفعل خلال فترة الحرب، إلا أن المستفيد الأكبر كانوا المصدرين، بينما بقيت هوامش أرباح المزارعين محدودة نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتسويق.
 

ويوضح أن الحرب رفعت كذلك الكلف التشغيلية، ولا سيما أسعار الأسمدة المستوردة وبعض مستلزمات الإنتاج، إضافة إلى ارتفاع أجور الشحن وتقلب أسعار المدخلات الزراعية، وهو ما استنزف جانباً كبيراً من العوائد.
 

ويضيف أنه لم يتمكن من رفع أجور العمّال، ليس لأنهم لا يستحقون ذلك، وإنما لأن الزيادة في التصدير لم تصل إلى المزارعين بالشكل الذي يتصوره كثيرون. ويوضح أن ارتفاع الطلب ترافق مع ارتفاع كبير في كلف الإنتاج، وخاصة أسعار الأسمدة المستوردة.
 

ويلفت إلى أن الجزء الأكبر من الأرباح يذهب في نهاية المطاف إلى حلقات التصدير والوساطة، بينما يتحمل المزارع معظم الأعباء الإنتاجية.
 

من جانبه، يقول المدير العام للاتحاد العام للمزارعين الأردنيين محمود عوران، في حديثه لـ"المرصد العمّالي الأردني"، إن الارتفاع في الصادرات الزراعية جاء نتيجة ظروف استثنائية فرضتها التطورات الجيوسياسية المحيطة بالأردن، إلى جانب التغيرات المناخية التي أثرت في إنتاج عدد من الدول المنافسة.
 

ويشير إلى أن الحرب أوجدت فرصة غير متوقعة للمنتج الأردني في الأسواق الخليجية، بعد تراجع حضور بعض الدول المنافسة، الأمر الذي انعكس على زيادة الطلب على الصادرات الزراعية الأردنية.
 

ويرى عوران أن هذه الزيادة لم تنعكس على أجور العمّال أو ظروف عملهم، موضحاً أن أثرها اقتصر على ارتفاع الطلب على العمالة الزراعية لتلبية احتياجات الإنتاج والتصدير، فيما بقيت طبيعة العمل موسمية، ولم يطرأ تغيير يذكر على الأجور أو ساعات العمل.
 

ويؤكد أن القطاع الزراعي ما يزال يفتقر إلى الحد الأدنى من الحماية الاجتماعية، مشدداً على ضرورة توفير مظلة الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي للعاملين فيه، بالنظر إلى مساهمته المهمة في الاقتصاد الوطني.
 

بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي حسام عايش أن الحرب أعادت التأكيد على أهمية القطاع الزراعي باعتباره أحد مرتكزات الأمن الغذائي والأمن الاقتصادي، في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية واحتمالات إغلاق الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز.
 

ويقول إن القطاع الزراعي أصبح اليوم جزءاً من مفهوم الأمن القومي، مشيراً إلى أن الأردن يمتلك مقومات تعزز هذا الدور، سواء من خلال الإنتاج الزراعي أو الصناعات المرتبطة به، مثل الأسمدة والفوسفات والبوتاس، إضافة إلى الاستثمارات في الأمونيا الخضراء.
 

ويشير إلى أن القطاع الزراعي يمثل إحدى أدوات الصمود الاقتصادي في مواجهة الحروب والأزمات، لما يوفره من قدرة على الحد من الانكشاف الاستراتيجي وتعزيز قدرة الدول على امتصاص الصدمات الاقتصادية.
 

غير أن عايش يرى أن المزارعين لم يكونوا المستفيد الأكبر من الطفرة التصديرية، موضحاً أن الأرباح ذهبت في معظمها إلى المصدرين وحلقات الوساطة، بينما بقي نصيب المزارعين محدوداً، وهو ما انعكس بدوره على العاملين في المزارع.
 

ويضيف: "في كثير من المواسم نسمع شكاوى المزارعين من ارتفاع الكلف وضعف العائد رغم زيادة الإنتاج أو التصدير، لأن المزارع غالباً ليس هو من يتولى عملية التصدير، وبالتالي يبقى العائد الذي يحصل عليه محدوداً مقارنة بالأرباح التي تحققها حلقات التصدير".
 

ويؤكد أن هذه الفجوة تنعكس مباشرة على العمّال الزراعيين، إذ تبقى أجورهم وظروف عملهم مرتبطة بقدرة المزارع المالية، في ظل استمرار ضعف الحماية الاجتماعية والرقابة على ظروف العمل.
 

وبينما أثبتت الحرب قدرة الزراعة الأردنية على اقتناص الفرص وتعويض النقص في الأسواق الإقليمية، كشفت في الوقت ذاته عن خلل مزمن في توزيع العوائد داخل القطاع. فالعامل الذي يزرع ويقطف ويحصد، والمزارع الذي يتحمل كلف الإنتاج، بقيا خارج دائرة المكاسب، فيما ذهبت الحصة الأكبر إلى حلقات التصدير والوساطة.
 

ويبقى السؤال الأبرز: كيف يمكن تحويل نجاح الصادرات إلى مكاسب حقيقية تصل إلى العمّال والمزارعين، بدلاً من أن تبقى محصورة في أعلى سلسلة التصدير؟

اقرأ المزيد

مركز الفينيق يدعو لاستحداث نظام يضمن حداً أدنى من الدخل لكبار السن غير المشمولين بالتقاعدموظفو "الاستهلاكية المدنية" يطالبون بضمانات مكتوبة تحفظ حقوقهم قبل تنفيذ قرار الدمجتقرير جديد: المنطقة العربية الأكثر تعرضا لصدمات الغذاء بفعل الحرب في المنطقةالمرصد العمّالي يدعو لتعديل التشريعات الأردنية لتتواءم مع الاتفاقية الجديدة للعمل اللائق في اقتصاد المنصاتمنظمة العمل الدولية تعتمد أول اتفاقية دولية للعمل اللائق في اقتصاد المنصات الرقمية


 

الحفوظة © 2026 مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية

برمجة وتصميم MENA CIRCLE